حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

28

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

والبحث ، فهو مسروق من ذاته ، مخطوف عن نفسه بما وجده إحساسه من لذّة المكاشفة ونعيم المشاهدة . فليس في الأمر غرابة إذا وجدنا الصوفيين ، والشيرازي واحد منهم ، يمزجون أبحاثهم بمواجدهم وحالاتهم الروحية ، لا ليقدّموا برهانا أو دليلا ، لكن ليعرضوا بعضا من أحاسيسهم وإنفعالاتهم ، فهي تغني عن كلّ برهان وتقوم مقام كلّ حجّة ، وإذا اقتربت منها أحاسيس أخرى بالمطالعة والقراءة ، فإنها تأنس بها وتنجذب إليها ، وبعضها يثور فيه الشوق والحنين فيعود وهّاجا ساطعا ، وقد انكشف له كلّ شيء . وقد أجمع عباقرة الفكر ورجال الكشف ، أنّ الشعر أقدر على اختراق العالم الشفّاف ، وأقوى على استحضار شيء من أسراره بصيغة الرمز أو بصيغة التمثيل ، أو بصيغة أخرى يختارها على هواه ، ولا يشترط في اختيارها إلّا درجة الايحاء . وإذا كان الشعر قيمته بمثل هذه القدرة ، لأنها فطرته التي فطر عليها ، فذلك لا يعني أنّ النثر قد حرم منها ، أو أنها امتنعت عنه ، فلسنا نجيز لأنفسنا أن نعتنق مثل هذا الرأي . فللنثر طبيعته الخاصّة التي تميّز بينه وبين الشعر ، وإذا صار مقتدرا على أن يحمل ما يحمله الشعر من مسؤولية ، وأن ينوء بالعبء الذين ينوء به الشعر ، خرج عند ذلك عن طبيعته الساكنة ، وصار يتحرّك بصفات الشعر وألوانه . ولا أحب أن أستطرد أكثر ، فأنسى الكلام على شعر الشيرازي ، هذا الشعر الذي لم نر منه حتى الآن إلّا أبياتا متناثرة